الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، يوليو 25، 2026

حِينَ صَارَ الْحُبُّ كُرْسِيًّا فَارِغًا: عبده حقي


دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ مِنْ ثُقْبٍ ضَيِّقٍ فِي الضَّوْءِ، وَلَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدًا هَلْ كُنْتُ أَنَا الَّذِي دَخَلَ، أَمْ أَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الَّتِي ابْتَلَعَتْ ظِلِّي وَتَرَكَتْنِي وَاقِفًا خَارِجَ جَسَدِي. كَانَتْ مَصَابِيحُ الشَّوَارِعِ تَمِيلُ نَحْوِي فِي أَدَبٍ مُرْعِبٍ، ثُمَّ تَرْتَدُّ إِلَى الْخَلْفِ كُلَّمَا رَفَعْتُ رَأْسِي، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ أَتَعَرَّفَ إِلَى وُجُوهِهَا. بَعْضُهَا كَانَ يَهْمِسُ بِاسْمِي، وَبَعْضُهَا كَانَ يُنَادِينِي بِاسْمِ رَجُلٍ قَدِيمٍ مَاتَ مُنْذُ سِنِينَ فِي دَاخِلِي، وَلَمْ نَعْثُرْ بَعْدُ عَلَى الْمَقْبَرَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِدَفْنِهِ.

تَحْتَ قَدَمَيَّ كَانَتِ الْحِجَارَةُ تَتَنَفَّسُ بِبُطْءٍ، وَتَفْتَحُ شُقُوقَهَا كَأَفْوَاهٍ صَغِيرَةٍ جَائِعَةٍ، وَمِنْ تِلْكَ الشُّقُوقِ كَانَتْ تَخْرُجُ خُيُوطٌ سَوْدَاءُ وَبُرْتُقَالِيَّةٌ، تَزْحَفُ نَحْوَ حِذَائِي، وَتَخِيطُ خُطُوَاتِي بِجِلْدِ الطَّرِيقِ، حَتَّى شَعَرْتُ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ لَا تُرِيدُنِي أَنْ أَمْشِيَ، بَلْ تُرِيدُنِي أَنْ أَبْقَى مَغْرُوزًا فِي أَرْضِهَا، كَذِكْرَى لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُ صَاحِبَهَا.

كُلَّمَا خَطَوْتُ خُطْوَةً سَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتَ إِبْرَةٍ تُغْلِقُ الطَّرِيقَ، وَكُلَّمَا الْتَفَتُّ لَمْ أَجِدْ شَيْئًا سِوَى أَثَرِي وَهُوَ يُخْفِي نَفْسَهُ تَحْتَ الْحِجَارَةِ.

فِي جَيْبِي كَانَ قَلْبِي مَطْوِيًّا عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ، مِثْلَ رِسَالَةٍ عَادَتْ إِلَى مُرْسِلِهَا لِأَنَّ الْعُنْوَانَ اخْتَفَى مِنَ الْعَالَمِ. كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أُخْرِجَهُ عَضَّنِي مِنَ الدَّاخِلِ، فَأَعَدْتُهُ إِلَى عَتْمَتِهِ، وَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ لَا دَاعِيَ لِلْخَوْفِ، غَيْرَ أَنَّ صَوْتًا لَمْ يَكُنْ صَوْتِي خَرَجَ مِنْ ضُلُوعِي وَقَالَ لِي إِنَّ الْقَلْبَ لَا يَخَافُ، وَإِنَّمَا أَنَا الَّذِي أَخَافُ مِنْ أَنْ أَفْتَحَهُ فَأَجِدَ فِيهِ غُرْفَةً فَارِغَةً تَحْفَظُ صَوْتَ مَنْ غَابَ.

عِنْدَ مَدْخَلِ السَّاحَةِ رَأَيْتُ امْرَأَةً بِلَا وَجْهٍ تَجْلِسُ وَرَاءَ طَاوِلَةٍ طَوِيلَةٍ مَصْنُوعَةٍ مِنْ أَبْوَابٍ مَقْلُوعَةٍ. كَانَتْ تُرَتِّبُ فَوْقَهَا أَزْرَارًا قَدِيمَةً، وَمَفَاتِيحَ صَدِئَةً، وَأَسْنَانًا صَغِيرَةً، وَرُؤُوسَ وُرُودٍ يَابِسَةٍ تَتَنَفَّسُ مِثْلَ أَفْوَاهٍ نَائِمَةٍ. رَفَعَتْ يَدَهَا، فَرَأَيْتُ بَيْنَ أَصَابِعِهَا خَيْطًا بُرْتُقَالِيًّا يَتَحَرَّكُ مِثْلَ دُودَةٍ مُضِيئَةٍ، وَقَالَتْ لِي أَنْ أَرْبِطَهُ حَوْلَ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ اسْمِي.

سَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَأَشَارَتْ إِلَى صَدْرِي.

نَظَرْتُ إِلَى صَدْرِي، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ إِلَّا بَابًا صَغِيرًا مَسْمُورًا مِنَ الدَّاخِلِ. طَرَقْتُهُ بِأَصَابِعِي، فَسَمِعْتُ شَخْصًا يَجُرُّ كُرْسِيًّا بَعِيدًا، ثُمَّ سَمِعْتُ صَمْتًا يَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.

أَخَذْتُ الْخَيْطَ الْبُرْتُقَالِيَّ وَرَبَطْتُهُ حَوْلَ إِصْبَعِي، فَاخْتَفَى الْإِصْبَعُ، وَرَبَطْتُهُ حَوْلَ مِعْصَمِي، فَتَوَقَّفَتِ السَّاعَةُ الَّتِي لَمْ أَكُنْ أَرْتَدِيهَا، وَرَبَطْتُهُ حَوْلَ عُنُقِي، فَخَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ أَسْوَدُ يَحْمِلُ فِي مِنْقَارِهِ تَارِيخًا لِيَوْمٍ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ.

ضَحِكَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي بِلَا وَجْهٍ، وَقَالَتْ إِنَّ الْعُقَدَ لَا تُصْلِحُ شَيْئًا، وَإِنَّهَا فَقَطْ تَمْنَعُ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْهَرَبِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.

إِلَى جَانِبِهَا كَانَ رَجُلٌ عَجُوزٌ يَعْقِدُ خَيْطًا حَوْلَ زِرٍّ بُنِّيٍّ، وَمَا إِنْ أَتَمَّ عُقْدَتَهُ حَتَّى أَضَاءَ الزِّرُّ كَعَيْنٍ فُتِحَتْ فِي جَسَدِ اللَّيْلِ، وَحَدَّقَ فِينَا لَحْظَةً، ثُمَّ انْطَفَأَ. ابْتَسَمَ الرَّجُلُ وَقَالَ إِنَّ الْأَشْيَاءَ تَعْرِفُ مَتَى يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ اللَّمَعَانِ، ثُمَّ وَضَعَ الزِّرَّ فِي جَيْبِهِ، فَسَمِعْتُ مِنْ دَاخِلِهِ بُكَاءَ طِفْلٍ بَعِيدٍ.

تَابَعْتُ سَيْرِي، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَتَبَدَّلُ كُلَّمَا رَمَشْتُ؛ فَالْمَقْهَى يَصِيرُ كَنِيسَةً، وَالْكَنِيسَةُ تَصِيرُ فَمًا، وَالْفَمُ يَصِيرُ بَابًا يَقُودُ إِلَى الْمَقْهَى نَفْسِهِ.

دَخَلْتُ مَكَانًا مَصْنُوعًا مِنْ أَبْوَابٍ لَا تُفْتَحُ، وَكَانَ لِكُلِّ بَابٍ مِقْبَضٌ دَافِئٌ، كَأَنَّ يَدًا غَائِبَةً تَرَكَتْهُ قَبْلَ لَحَظَاتٍ. جَلَسْتُ إِلَى طَاوِلَةٍ مُعَدَّةٍ لِشَخْصَيْنِ وَنِصْفِ شَخْصٍ. كَانَ عَلَيْهَا فِنْجَانٌ وَاحِدٌ، وَصَحْنَانِ، وَأَمَامِي كُرْسِيٌّ فَارِغٌ يَرْتَدِي مِعْطَفًا أَعْرِفُهُ.

لَمْ أَرْفَعْ عَيْنَيَّ نَحْوَهُ، لِأَنَّنِي كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَرَى وَجْهِي جَالِسًا فِيهِ.

ارْتَفَعَ بُخَارُ الشَّايِ وَالْتَفَّ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ انْقَسَمَ إِلَى ذِرَاعَيْنِ وَوَجْهٍ غَيْرِ مُكْتَمِلٍ. حَاوَلَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ فَمَهُ كَانَ نَافِذَةً مُغْلَقَةً، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنِّي حَتَّى شَعَرْتُ بِحَرَارَتِهِ عَلَى جَفْنِي، وَتَلَاشَى دَاخِلَ الْكُرْسِيِّ.

قُلْتُ لِلْفَرَاغِ إِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّهُ هُنَا، فَتَحَرَّكَ الْكُرْسِيُّ قَلِيلًا، وَقُلْتُ لَهُ إِنَّنِي لَا أُرِيدُهُ أَنْ يَعُودَ، فَفَتَحَ ذِرَاعَيْهِ، فَنَهَضْتُ وَرَقَصْتُ مَعَهُ.

كُنْتُ أَضَعُ يَدِي عَلَى فَرَاغٍ لَهُ حَرَارَةُ الْجِلْدِ، وَكَانَ يَقُودُنِي عَبْرَ الْمَقْهَى، بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَعَثَّرُ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي تَتَسَاقَطُ مِنْ جَيْبِي. كُلُّ اسْمٍ كَانَ يَتَحَوَّلُ إِلَى سَمَكَةٍ فِضِّيَّةٍ تَسْبَحُ فَوْقَ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَدْخُلُ تَحْتَ الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ.

دُرْنَا مَرَّةً، فَسَقَطَ عَامٌ مِنْ عُمْرِي.

وَدُرْنَا مَرَّتَيْنِ، فَنَسِيتُ لَوْنَ عَيْنَيْكِ.

وَدُرْنَا ثَلَاثًا، فَتَذَكَّرْتُ كُلَّ شَيْءٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً.

تَوَقَّفْتُ عَنِ الرَّقْصِ، أَمَّا الْكُرْسِيُّ فَوَاصَلَ دَوَرَانَهُ وَحْدَهُ. كَانَ الزُّبَنَاءُ يُرَاقِبُونَهُ مِنْ غَيْرِ دَهْشَةٍ، فَفِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ لَا يُعَدُّ الْفَرَاغُ غِيَابًا، بَلْ مَخْلُوقًا لَهُ مَقْعَدٌ وَظِلٌّ وَكَأْسٌ تُوضَعُ أَمَامَهُ كُلَّ مَسَاءٍ.

اقْتَرَبَ مِنِّي نَادِلٌ كَانَ رَأْسُهُ مِصْبَاحًا، وَسَأَلَنِي عَمَّا يَشْرَبُهُ غَائِبِي، فَقُلْتُ إِنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الْوَقْتَ بِبُطْءٍ، فَأَحْضَرَ لَهُ سَاعَةً مَكْسُورَةً فِي كُوبٍ زُجَاجِيٍّ.

فِي الْخَارِجِ كَانَتِ السَّمَاءُ مُعَلَّقَةً بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَتْ فَوْقَ الرُّؤُوسِ قُلُوبٌ نَاقِصَةٌ، وَعُقَدٌ مُرْتَخِيَةٌ، وَفَوَانِيسُ تَنْبِضُ كَأَعْضَاءٍ انْتُزِعَتْ مِنْ أَجْسَادِهَا وَظَلَّتْ حَيَّةً. لَمْ تَكُنِ الْمَصَابِيحُ تُضِيءُ الطَّرِيقَ، بَلْ كَانَتْ تُرَاقِبُهُ، وَكَانَتِ الْحِجَارَةُ تَفْتَحُ عُيُونًا صَغِيرَةً تَحْتَ أَقْدَامِنَا، ثُمَّ تُغْلِقُهَا قَبْلَ أَنْ نَنْتَبِهَ إِلَيْهَا.

مَرَّ أَمَامِي زَوْجَانِ عَجُوزَانِ، غَيْرَ أَنَّ رَأْسَيْهِمَا كَانَا كِتَابَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ؛ كُلَّمَا خَطَوَا خُطْوَةً انْقَلَبَتْ صَفْحَةٌ، وَكُلَّمَا تَوَقَّفَا مُحِيَتْ جُمْلَةٌ. حَاوَلْتُ أَنْ أَقْرَأَ مَا تَبَقَّى مِنْهُمَا، فَلَمْ أَجِدْ سِوَى عِبَارَةٍ تَتَكَرَّرُ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ أَحَدًا لَا يَعُودُ مِنَ الْحُبِّ بِالشَّخْصِ ذَاتِهِ.

فِي نِهَايَةِ الزُّقَاقِ كَانَتْ فِرْقَةٌ مُوسِيقِيَّةٌ تَعْزِفُ بِآلَاتٍ مَصْنُوعَةٍ مِنَ الْمَعَاطِفِ وَالْمَلَاعِقِ وَالْعِظَامِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلصَّوْتِ اتِّجَاهٌ وَاحِدٌ؛ كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْجُدْرَانِ، وَمِنْ فَمِي، وَمِنْ جَيْبِ رَجُلٍ مَارٍّ، وَمِنَ الْكُرْسِيِّ الَّذِي ظَلَّ يَتْبَعُنِي بِخُطًى قَصِيرَةٍ. كُلُّ نَغْمَةٍ كَانَتْ تَتَحَوَّلُ إِلَى قِطْعَةِ قُمَاشٍ، ثُمَّ تَلْتَفُّ حَوْلَ وَجْهِ شَخْصٍ وَحِيدٍ.

وَصَلْتُ إِلَى مَطْعَمٍ لَا يَدْخُلُهُ الْجَائِعُونَ، بَلِ الَّذِينَ فَقَدُوا أَسْمَاءَهُمْ، وَكَانَتِ الْأَوْعِيَةُ تَتَحَرَّكُ وَحْدَهَا فَوْقَ الطَّاوِلَاتِ كَيْ تَلْتَصِقَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ يَرَاهَا اللَّيْلُ وَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ.

جَلَسْتُ، فَاقْتَرَبَ مِنِّي طَبَقُ حَسَاءٍ، وَانْحَنَى الْبُخَارُ فَوْقَهُ وَسَأَلَنِي مَنْ أَكُونُ. قُلْتُ اسْمِي، فَارْتَجَفَ الْحَسَاءُ وَقَالَ إِنَّ ذَلِكَ اسْمُ شَخْصٍ آخَرَ. أَعَدْتُ قَوْلَ اسْمِي، فَخَرَجَتْ مِنَ الطَّبَقِ رَائِحَةُ بَيْتٍ قَدِيمٍ.

عِنْدَمَا رَفَعْتُ الْمِلْعَقَةَ رَأَيْتُ وَجْهِي غَارِقًا فِيهَا. لَمْ يَكُنْ يَصْرُخُ، بَلْ كَانَ يَتَنَفَّسُ تَحْتَ سَطْحِهَا بِهُدُوءِ شَخْصٍ تَقَبَّلَ مَوْتَهُ.

وَضَعْتُ الْمِلْعَقَةَ، وَقُلْتُ لِلْكُرْسِيِّ الْفَارِغِ إِنَّنِي أَشْكُرُهُ لِأَنَّهُ مَا زَالَ يَحْفَظُ شَكْلَ مَنْ جَلَسَ عَلَيْهِ، فَأَجَابَنِي ظِلِّي بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ هُنَاكَ.

الْتَفَتُّ، فَلَمْ أَجِدْ ظِلِّي تَحْتَ قَدَمَيَّ؛ كَانَ جَالِسًا عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُقَابِلِ، يَضَعُ سَاقًا فَوْقَ سَاقٍ، وَيَنْظُرُ إِلَيَّ بِاحْتِقَارٍ هَادِئٍ، ثُمَّ قَالَ إِنَّنِي أَنَا الَّذِي غِبْتُ، وَنَهَضَ وَخَرَجَ.

لَحِقْتُ بِهِ إِلَى السَّاحَةِ، غَيْرَ أَنَّ السَّاحَةَ كَانَتْ مَمْلُوءَةً بِمَظَارِيفَ بَيْضَاءَ تَحُومُ فِي الْهَوَاءِ مِثْلَ طُيُورٍ عَمْيَاءَ. أَمْسَكْتُ وَاحِدًا مِنْهَا، فَوَجَدْتُهُ مُغْلَقًا بِخَيْطٍ بُرْتُقَالِيٍّ، فَفَتَحْتُهُ، وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ رِسَالَةً، بَلْ وَجَدْتُ غُرْفَةً صَغِيرَةً، وَفِي دَاخِلِهَا كُنْتُ أَجْلِسُ فِي الْمَقْهَى نَفْسِهِ أَمَامَ الْكُرْسِيِّ نَفْسِهِ، وَأَفْتَحُ مِظْرُوفًا آخَرَ.

مَزَّقْتُ الْمِظْرُوفَ، فَصَرَخَتِ الْغُرْفَةُ، وَسَقَطْتُ مِنْهَا إِلَى السَّاحَةِ.

كَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ فِي صَفٍّ أَمَامَ مُصَوِّرٍ عَجُوزٍ يَرْتَدِي نَظَّارَتَيْنِ دَائِرِيَّتَيْنِ تَعْكِسَانِ صَبَاحَاتٍ لَا وُجُودَ لَهَا. رَفَعَ آلَةَ التَّصْوِيرِ نَحْوِي، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَتَحَرَّكَ. سَأَلْتُهُ هَلْ سَيَلْتَقِطُ صُورَتِي، فَقَالَ إِنَّهُ لَنْ يَلْتَقِطَنِي، بَلْ سَيَلْتَقِطُ الشَّيْءَ الَّذِي غَادَرَ صُورَتِي.

وَضَعْتُ يَدِي عَلَى وَجْهِي، فَوَجَدْتُهُ بَارِدًا مِثْلَ مِرْآةٍ مَهْجُورَةٍ.

ضَغَطَ الزِّرَّ نِصْفَ ضَغْطَةٍ، فَانْفَتَحَ النَّهَارُ دَاخِلَ عَدَسَتِهِ، وَرَأَيْتُ أُمِّي صَغِيرَةً تَرْكُضُ فِي مَمَرٍّ طَوِيلٍ، وَرَأَيْتُ بَابًا لَمْ أَفْتَحْهُ، وَيَدِي تُلَوِّحُ لِشَخْصٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، وَرَأَيْتُ الْكُرْسِيَّ الْفَارِغَ مَمْلُوءًا بِي.

قَالَ الْمُصَوِّرُ أَلَّا أَرْمِشَ، فَرَمَشْتُ، فَاخْتَفَتِ السَّاحَةُ، وَوَجَدْنَا أَنْفُسَنَا جَمِيعًا دَاخِلَ الصُّورَةِ؛ الْمَصَابِيحُ مُعَلَّقَةٌ فِي الْهَوَاءِ، وَالْمَقْهَى بِلَا جُدْرَانٍ، وَالْأَزْوَاجُ الْعَجَائِزُ بِلَا أَجْسَادٍ، وَالْمَدِينَةُ مَطْوِيَّةٌ مِثْلَ رِسَالَةٍ ضَخْمَةٍ. حَاوَلَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُمَزِّقَ حَافَّتَهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا ضَوْءٌ أَسْوَدُ.

طَلَبَ مِنَّا الْمُصَوِّرُ أَنْ نَبْتَسِمَ، فَلَمْ يَبْتَسِمْ أَحَدٌ، فَقَالَ إِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ، ثُمَّ ضَغَطَ الزِّرَّ كَامِلًا، فَتَحَوَّلَ الْوَمِيضُ إِلَى قَلْبٍ مَخِيطٍ فِي الْهَوَاءِ، وَظَلَّ يَنْبِضُ لَحْظَةً، ثُمَّ انْفَجَرَ إِلَى غُبَارٍ ذَهَبِيٍّ دَخَلَ فِي أَفْوَاهِنَا وَآذَانِنَا وَجُيُوبِنَا.

تَذَوَّقْتُ الْغُبَارَ، فَكَانَ لَهُ طَعْمُ اسْمٍ قَدِيمٍ.

رَأَيْتُ الْخَيْطَ الْبُرْتُقَالِيَّ يَخْرُجُ مِنْ مِعْصَمِي وَيَمْتَدُّ عَبْرَ السَّاحَةِ، مَرْبُوطًا بِالْكُرْسِيِّ، وَالْمَقْهَى، وَالْمَرْأَةِ الَّتِي بِلَا وَجْهٍ، وَالزِّرِّ الْمُنْطَفِئِ، وَكُلِّ بَابٍ لَمْ أَفْتَحْهُ، وَكُلِّ شَخْصٍ قُلْتُ إِنَّنِي نَسِيتُهُ.

حَاوَلْتُ أَنْ أَقْطَعَهُ، فَنَزَفَ الْخَيْطُ، وَقَالَتِ الْمَدِينَةُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيَّ أَلَّا أَفْعَلَ.

سَأَلْتُهَا مَنْ تَكُونُ، فَقَالَتْ إِنَّهَا مَا تَبَقَّى مِنِّي بَعْدَ أَنْ غَادَرْتُ نَفْسِي.

بَدَأَتِ الشَّوَارِعُ تَضِيقُ، وَاقْتَرَبَتِ الْجُدْرَانُ حَتَّى صَارَتْ كَتِفَيْنِ، وَصَارَتِ السَّمَاءُ سَقْفًا مُنْخَفِضًا، وَصَارَتِ الْمَصَابِيحُ عُيُونًا، وَصَارَ الْكُرْسِيُّ الْفَارِغُ يَمْشِي خَلْفِي بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ.

رَكَضْتُ، فَكَانَتِ الْحِجَارَةُ تَخِيطُ خُطَايَ فِي الْأَرْضِ كَيْ لَا أَسْتَطِيعَ الْمُغَادَرَةَ، وَكُلَّمَا نَزَعْتُ قَدَمًا مِنَ الطَّرِيقِ بَقِيَتْ نُسْخَةٌ مِنْهَا خَلْفِي، حَتَّى امْتَلَأَ الشَّارِعُ بِأَقْدَامِي.

تَوَقَّفْتُ لِأَتَنَفَّسَ، فَخَرَجَ مِنْ فَمِي بُخَارٌ طَوِيلٌ، وَالْتَفَّ حَوْلَ جَسَدِي وَرَبَطَنِي مِثْلَ كَفَنٍ دَافِئٍ، وَسَمِعْتُ فِي دَاخِلِهِ أَصْوَاتًا كَثِيرَةً تَقُولُ لِي:

ارْبِطِ الْخَيْطَ.

تَمَسَّكْ.

اتْرُكْ.

لَا تَعُدْ.

عُدْ.

أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، فَوَجَدْتُ نَفْسِي مَرَّةً أُخْرَى فِي الْمَقْهَى. كَانَ الْكُرْسِيُّ أَمَامِي، وَالْفِنْجَانُ دَافِئًا، وَالصَّحْنَانِ فِي مَكَانِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ الْكُرْسِيَّ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُشْبِهُنِي، أَكْثَرَ شُحُوبًا وَهُدُوءًا، وَفِي مِعْصَمِهِ خَيْطٌ بُرْتُقَالِيٌّ، وَفِي صَدْرِهِ بَابٌ صَغِيرٌ مَفْتُوحٌ.

سَأَلْتُهُ مَنْ يَكُونُ، فَقَالَ إِنَّهُ الَّذِي بَقِيَ هُنَا كُلَّمَا قُلْتُ إِنَّنِي رَحَلْتُ.

مَدَدْتُ يَدِي نَحْوَهُ، فَمَدَّ يَدَهُ، وَقَبْلَ أَنْ تَتَلَامَسَ أَصَابِعُنَا انْطَفَأَتِ الْمَدِينَةُ، وَلَمْ يَبْقَ مُضِيئًا بَيْنَنَا سِوَى الْخَيْطِ الْبُرْتُقَالِيِّ.

قَالَ إِنَّ الْحُبَّ لَيْسَ أَنْ يَعُودَ الْغَائِبُ.

فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْحُبِّ.

ابْتَسَمَ، وَبَدَأَ وَجْهُهُ يَتَفَتَّتُ إِلَى غُبَارٍ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْحُبَّ هُوَ أَنْ أَظَلَّ أَتْرُكُ لِلْغَائِبِ مَكَانًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَمْنَعَ نَفْسِي مِنَ الْجُلُوسِ.

اخْتَفَى الرَّجُلُ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْكُرْسِيِّ وَجَلَسْتُ فِيهِ، فَوَجَدْتُ نَفْسِي عَلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الطَّاوِلَةِ، أُرَاقِبُ كُرْسِيًّا فَارِغًا يَرْقُصُ بِبُطْءٍ.

رَبَطْتُ الْخَيْطَ الْبُرْتُقَالِيَّ حَوْلَ قَلْبِي، فَلَمْ أَسْمَعْ نَبْضًا، بَلْ سَمِعْتُ بَابًا يُفْتَحُ.

وَمِنْ مَكَانٍ لَا أَعْرِفُهُ قَالَتِ الْمَدِينَةُ لِي أَنْ أَرْمِشَ، فَرَمَشْتُ، ثُمَّ قَالَتْ لِي أَنْ أَكُونَ شُجَاعًا، فَرَمَشْتُ مَرَّةً أُخْرَى.

وَعِنْدَمَا فَتَحْتُ عَيْنَيَّ لَمْ أَجِدِ الْمَدِينَةَ، وَلَا الْمَقْهَى، وَلَا الْمُصَوِّرَ، وَلَا الْخَيْطَ، بَلْ وَجَدْتُ كُرْسِيًّا فَارِغًا فِي مُنْتَصَفِ صَدْرِي، يَتَأَرْجَحُ قَلِيلًا.

وَكَانَ شَخْصٌ مَا فِي دَاخِلِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَيَنْتَظِرُنِي.


0 التعليقات: