أتابع ما يجري داخل دوائر الحكم في الجزائر بكثير من الاهتمام، ليس من باب التدخل في الشؤون الداخلية لبلد جار، ولا بدافع التشفي في أزماته، بل لأن التحولات التي تقع في قمة السلطة الجزائرية تترك آثارها المباشرة في المنطقة المغاربية كلها. ومن بين الأسئلة التي بدأت تطرح نفسها أخيرًا: هل يفكر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في خلافة الرئيس عبد المجيد تبون، وهل شرع فعلًا في تمهيد الطريق نحو قصر المرادية بعد انتهاء الولاية الرئاسية الحالية؟
يستند هذا السؤال إلى حديث متداول عن أن عطاف بات يقدم نفسه داخل محيطه السياسي بوصفه واحدًا من أكثر المسؤولين قربًا من تبون، وأنه يحظى بثقة خاصة قد تؤهله للعب دور أكبر في مرحلة ما بعد سنة 2029. ولا أستطيع أن أتعامل مع هذه المزاعم باعتبارها حقيقة محسومة، لكنني أرى أن مجرد تداولها داخل دوائر السلطة يستحق التحليل، خصوصًا أن النظام السياسي الجزائري اعتاد إعداد خلفاء محتملين بعيدًا عن المؤسسات المنتخبة والنقاش العمومي.
يبلغ أحمد عطاف الثالثة والسبعين من عمره، وينتمي إلى جيل الدبلوماسيين الذين تشكلوا داخل الدولة الجزائرية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وقد شغل مناصب متعددة في وزارة الخارجية، وعمل سفيرًا في عدد من الدول، قبل أن يتولى حقيبة الشؤون الخارجية في فترات سابقة، ثم يعود إليها في مارس 2023 خلفًا لرمطان لعمامرة.
هذا المسار يمنحه معرفة واسعة بالملفات الدولية، لكنه لا يجعله بالضرورة رجل دولة قادرًا على إدارة التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للجزائر. فالدبلوماسي الذي يقضي معظم حياته في السفارات والمنظمات الدولية لا يتحول تلقائيًا إلى رئيس قادر على فهم غضب الشباب، وأزمة البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف المؤسسات المنتخبة، والصراع بين مراكز النفوذ المدنية والعسكرية.
ما يثير انتباهي في مسار أحمد عطاف هو علاقته المتقلبة بعبد المجيد تبون. فالرجل لم يكن من أنصار تبون خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2019، بل كان محسوبًا في مرحلة سابقة على محيط علي بن فليس، وشارك في حزب «طلائع الحريات»، الذي قدم نفسه باعتباره قوة معارضة لنظام عبد العزيز بوتفليقة.
وتنسب إلى عطاف مواقف شديدة القسوة تجاه تبون خلال سنة 2017، عندما كان الأخير وزيرًا أول قبل أن تتم إزاحته بعد صدامه مع جناح سعيد بوتفليقة وبعض رجال الأعمال النافذين. وبحسب الرواية المتداولة، فإن عطاف لم ير في تبون آنذاك رجل إصلاح، بل اعتبره جزءًا من المنظومة نفسها التي كان يعارضها.
لكن السياسة في الأنظمة المغلقة لا تقوم دائمًا على المبادئ أو الاستمرارية الفكرية. فالمعارض قد يصبح وزيرًا، والخصم قد يتحول إلى رجل ثقة، والناقد قد يجد نفسه مضطرًا إلى تمجيد الشخص الذي هاجمه بالأمس. وهكذا عاد عطاف إلى الواجهة السياسية من بوابة الرئيس الذي لم يكن يؤمن بمشروعه من قبل.
أعتقد أن تعيين أحمد عطاف وزيرًا للخارجية لم يكن دليلًا على تفوقه المطلق داخل الجهاز الدبلوماسي، بل جاء نتيجة حسابات تتعلق بالتوازن داخل السلطة. فقد كان رمطان لعمامرة يمتلك شبكة علاقات دولية واسعة، ويحظى بصورة دبلوماسية أقوى، كما كانت له امتدادات داخل بعض مراكز القرار. وربما رأى تبون في حضوره خطرًا محتملًا، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لسنة 2024.
كان لعمامرة قادرًا، نظريًا، على التحول إلى اسم توافقي داخل النظام، أو على الأقل إلى منافس يملك الشرعية الدبلوماسية والعلاقات التي تتيح له بناء حضور سياسي مستقل. لذلك جرى إبعاده وتعويضه بعطاف، الذي بدا أقل قدرة على منافسة الرئيس وأكثر استعدادًا للتكيف مع خياراته.
ومن هنا أفهم السر في استمرار عطاف داخل الحكومة. فهو لم يقدم نفسه بوصفه مركز قوة مستقلًا، ولم يحاول بناء صورة عامة تتجاوز الرئيس، بل اختار أداء دور الوزير المنضبط الذي لا يعترض على القرارات الكبرى، حتى عندما تكون نتائجها مكلفة على الدبلوماسية الجزائرية.
لقد شهدت السنوات الأخيرة أزمات متلاحقة بين الجزائر وعدد من الدول، من إسبانيا إلى فرنسا، ومن المغرب إلى الإمارات العربية المتحدة، فضلًا عن التوتر العميق مع مالي ودول الساحل. وفي معظم هذه الملفات لم يظهر وزير الخارجية صاحب رؤية مستقلة، بل ظهر منفذًا لتوجهات الرئاسة، يدافع عنها بعد اتخاذها، بدل أن يساهم في صياغتها أو يمنع انزلاقها نحو التصعيد.
أنا لا أرى في الدبلوماسية مجرد ترديد لمواقف الرئيس أو تحويل قراراته إلى بيانات رسمية. وظيفة وزير الخارجية الحقيقية هي تقديم البدائل، والتنبيه إلى المخاطر، وحماية مصالح الدولة من الانفعالات السياسية. أما الوزير الذي يوافق على كل شيء، فإنه يتحول إلى موظف للعلاقات العامة، مهما كان تاريخه المهني طويلًا.
وقد يكون هذا الانضباط هو ما قرب عطاف من تبون ومنحه مساحة داخل دائرة الثقة الرئاسية. فالرئيس الجزائري، مثل كثير من الحكام الذين نشؤوا داخل الأنظمة المركزية، يفضل المسؤول الذي لا ينازعه القرار، ولا يقدم نفسه بديلًا عنه، ولا يحظى بشعبية مستقلة يمكن أن تهدد موقعه.
غير أن القرب من الرئيس قد يتحول مع مرور الوقت إلى مصدر طموح. فمن يشعر بأنه يستقبل بانتظام في القصر، ويطلع على الملفات الحساسة، ويُنظر إليه باعتباره أحد رجال الثقة، قد يبدأ في الاعتقاد بأنه الأقدر على ضمان استمرارية النظام بعد رحيل الرئيس.
وهنا أرى أن السؤال لا يتعلق بحق أحمد عطاف في الطموح. فمن الناحية المبدئية، يحق لكل مواطن جزائري تتوافر فيه الشروط القانونية أن يترشح للرئاسة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول القرب الشخصي من الرئيس إلى وسيلة لترتيب الخلافة، أو عندما يُستعمل النفوذ الحكومي لإقناع مراكز القرار بأن مرشحًا معينًا هو الضامن الوحيد لاستمرار التوازنات القائمة.
الرئاسة ليست مكافأة يقدمها رئيس لرجل من رجاله، وليست إرثًا سياسيًا ينتقل داخل العائلة أو داخل دائرة الموظفين المخلصين. الشعب الجزائري هو صاحب الحق الأول في اختيار رئيسه، وأي انتقال للسلطة يجري بعيدًا عن المنافسة الحرة والشفافية لن يكون سوى إعادة إنتاج للنظام نفسه بوجه جديد.
ولا أعتقد أن شخصية أحمد عطاف، كما ظهرت في السنوات الأخيرة، قادرة على تقديم مشروع وطني جديد للجزائر. فالرجل لا يمتلك حضورًا شعبيًا واسعًا، ولا قاعدة سياسية معروفة، ولا برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا معلنًا. كما أن تجربته في الشؤون الداخلية محدودة مقارنة بتجربته الدبلوماسية.
ثم إن سيرته السياسية تطرح سؤال الثبات. فقد انتقل من معارضة نظام بوتفليقة ودعم علي بن فليس إلى العمل مع عبد المجيد تبون، الذي كان قد انتقده سابقًا. وهذا التحول قد يكون طبيعيًا في بعض الديمقراطيات عندما يتم على أساس مراجعة فكرية معلنة، لكنه يثير الشك عندما يحدث من دون تفسير أو مصارحة للرأي العام.
من حق المواطن الجزائري أن يسأل عطاف: ما الذي تغير؟ هل اقتنع فجأة بمشروع تبون؟ هل أعاد تقييم مواقفه السابقة؟ هل دخل الحكومة لإنقاذ الدولة أم لإنقاذ مساره الشخصي؟ وهل ولاؤه اليوم للرئيس أم لمؤسسات البلاد ومصالح الشعب؟
هذه الأسئلة ضرورية لأن الجزائر لا تحتاج إلى رئيس جديد يحمل العقلية القديمة نفسها. إنها تحتاج إلى قيادة تدرك أن شرعية التحرير لم تعد كافية لإدارة دولة في القرن الحادي والعشرين، وأن الخطاب المعادي للاستعمار لا يمكنه وحده توفير الوظائف أو جذب الاستثمارات أو تطوير التعليم والصحة.
لقد تغيرت إفريقيا كذلك، ولم تعد القارة تنتظر من الجزائر أن تقدم لها دروسًا أيديولوجية مستمدة من سبعينيات القرن الماضي. الدول الإفريقية تبحث اليوم عن الشراكات والاستثمارات والبنية التحتية والتكنولوجيا والتبادل التجاري. تريد علاقات قائمة على المصالح المتبادلة، لا على استحضار دائم لما قدمته الجزائر لحركات التحرر قبل أكثر من نصف قرن.
وأرى أن أحد أخطاء الدبلوماسية الجزائرية الحالية هو استمرارها في التعامل مع بعض الدول الإفريقية بعقلية الوصي التاريخي. هذه النظرة ساهمت في توسيع المسافة بين الجزائر وعدد من بلدان الساحل، وظهرت نتائجها بوضوح في الأزمة مع مالي.
لقد فشلت الجزائر في الحفاظ على موقعها التقليدي وسيطًا موثوقًا في الملف المالي، وتحولت من طرف كان يُفترض أن يساعد على التهدئة إلى دولة تتهمها باماكو بالتدخل ودعم أطراف معادية لمصالحها. وبغض النظر عن مدى صحة جميع الاتهامات المتبادلة، فإن وصول العلاقات إلى هذا المستوى يمثل إخفاقًا دبلوماسيًا لا يمكن لوزير الخارجية التنصل منه.
في المقابل، يبدو رمطان لعمامرة، رغم كل الملاحظات التي يمكن تسجيلها على مساره، أكثر حضورًا وخبرة وقدرة على مخاطبة العواصم الإفريقية والدولية. ولذلك فإن تقديم عطاف بوصفه الخليفة الطبيعي لتبون لن يكون مقنعًا إلا إذا كانت الأولوية هي اختيار شخصية مطيعة تضمن استمرار النظام، لا اختيار الشخصية الأكثر كفاءة لإصلاح الدولة.
إنني، بصفتي صحفيًا مغربيًا، لا أكتب هذا الكلام رغبة في رؤية الجزائر ضعيفة. فاستقرار الجزائر وتطورها يخدمان المغرب العربي كله، كما أن بناء دولة جزائرية ديمقراطية وقوية يمكن أن يفتح باب المصالحة والتعاون الإقليمي.
لكن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بترتيب الخلافة في المكاتب المغلقة، ولا بتقديم وزير ضعيف سياسيًا باعتباره رجل المرحلة. يتحقق الاستقرار عندما يشعر الجزائريون بأن صوتهم يحدد مستقبلهم، وأن الرئيس يصل إلى الحكم عبر انتخابات حقيقية، وأن المؤسسة العسكرية تحمي الدولة بدل أن تختار حكامها.
فإذا كان أحمد عطاف يحمل طموحًا رئاسيًا، فعليه أن يخرج إلى المواطنين ويعلن مشروعه بوضوح. عليه أن يقدم برنامجًا للاقتصاد والتعليم والصحة والحريات والعلاقات الخارجية، وأن يشرح رؤيته لمستقبل الجزائر، بدل الاكتفاء بالاعتماد على قربه من الرئيس.
أما استعمال ثقة عبد المجيد تبون بوصفها شهادة أهلية للحكم، فهو في رأيي سلوك يعكس ضعفًا سياسيًا لا قوة. فالسياسي الحقيقي يستمد شرعيته من الناس ومن برنامجه ومن قدرته على الإقناع، لا من مكانه داخل قلب الحاكم أو من عدد المرات التي يُستدعى فيها إلى القصر.
إن الجزائر أكبر من عطاف وتبون ولعمامرة، وأكبر من جميع الأجنحة المتصارعة داخل السلطة. وهي تحتاج إلى انتقال سياسي يعيد الدولة إلى المجتمع، ويحرر المؤسسات من منطق الولاء الشخصي، ويفتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات.
وفي النهاية، لا أخشى طموح أحمد عطاف في حد ذاته، بل أخشى أن يكون هذا الطموح عنوانًا لعملية إعادة تدوير جديدة للنظام الجزائري. فالمشكلة ليست في اسم الرئيس المقبل، وإنما في الطريقة التي سيصل بها إلى الرئاسة، وفي القوى التي ستصنعه، وفي المصالح التي سيحميها بعد وصوله.
توقيع: صحفي مغربي







0 التعليقات:
إرسال تعليق