الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 27، 2026

الإعلام المغربي والعربي بين سلطة المنصات وقلق المهنية: عبده حقي


 لم يعد من الممكن، في زمن التدفق الرقمي الكاسح، أن نتحدث عن الصحافة بوصفها مجرد وسيط لنقل الأخبار، أو عن الإعلام كمرآة محايدة تعكس ما يجري في الواقع. لقد تغيّرت المعادلة جذرياً، وباتت الميديا نفسها فاعلاً رئيسياً في صناعة الحدث، وفي توجيه الرأي العام،

الثقافة العالمية تكتب بيانها الجديد بين أصوات الموسيقى وظلال اللوحات: إعداد عبده حقي

 


تبرز الأجندات الثقافية والفنية كمرآة دقيقة تعكس نبض المجتمعات وتحولاتها العميقة. من المغرب إلى العالم العربي وصولاً إلى أوروبا، تتوزع المواعيد الفنية بين مهرجانات كبرى ومعارض نوعية ولقاءات فكرية، لتشكل خريطة دينامية للإبداع الإنساني في حركته المستمرة. هذه الأجندات لا تُقرأ بوصفها مجرد تواريخ وأنشطة، بل باعتبارها إشارات دالة على اتجاهات الذوق العام، وتحولات الخطاب الثقافي، وتقاطعات الفن مع السياسة والاقتصاد، مما يجعل تتبعها ضرورة لفهم ما يجري في العمق، لا على السطح فقط.
ولاً: المغرب

1. مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية — فاس، 4 إلى 7 يونيو 2026
تستعد فاس لاحتضان الدورة 29 من مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية، ببرنامج يضم 18 عرضاً فنياً حول الموسيقى الروحية والحوار بين التراث والإنشاد والفضاءات التاريخية للمدينة.

تحليلياً، يواصل هذا المهرجان ترسيخ فاس كعاصمة رمزية للروحانية الفنية، حيث لا تُقدَّم الموسيقى بوصفها فرجة فقط، بل باعتبارها جسراً بين الذاكرة والحاضر، وبين المقدس والجمالي.

2. مهرجان كناوة وموسيقى العالم — الصويرة، 25 إلى 27 يونيو 2026
أعلن الموقع الرسمي للمهرجان أن الدورة 27 ستنظم في الصويرة من 25 إلى 27 يونيو 2026، مع برنامج يمزج بين المعلمين الكناويين وفنانين عالميين في عروض موسيقية مفتوحة على الجاز والبلوز والريغي والموسيقى التقليدية.

أهمية هذا الموعد أنه يحافظ على كناوة كفن حي لا كمجرد فولكلور سياحي، إذ يمنحها قدرة على الحوار مع إيقاعات العالم، ويحوّل الصويرة إلى مختبر موسيقي للهوية المغربية الإفريقية.

3. موازين إيقاعات العالم — الرباط وسلا، 19 إلى 27 يونيو 2026
أكدت مصادر المهرجان ووسائل إعلام مغربية أن الدورة 21 من موازين ستقام من 19 إلى 27 يونيو 2026، في عودة جديدة لأحد أكبر المواعيد الموسيقية بالمغرب.

يمثل موازين واجهة ثقافية جماهيرية للمغرب، لأنه يوازن بين البعد الشعبي والبعد الدولي. غير أن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في أسماء النجوم، بل في قدرته على جعل الرباط فضاءً مفتوحاً لتلاقي الأذواق واللغات الموسيقية.

4. معرض “Nature Morte” لحليمة فوراتي — فيلا الفنون بالرباط، إلى 31 مايو 2026
تستضيف فيلا الفنون بالرباط معرض “Nature Morte” للفنانة المغربية حليمة فوراتي من 16 أبريل إلى 31 مايو 2026.

هذا المعرض يعيد الاعتبار لفن الطبيعة الصامتة، لكنه لا يكتفي بتصوير الأشياء، بل يفتحها على الضوء والظل والرمز. إنه موعد مناسب لمن يبحث عن فن هادئ، عميق، لا يصرخ، لكنه يترك أثراً بصرياً وتأملياً.

ثانياً: العالم العربي

5. معرض “Byblos, cité millénaire du Liban” — معهد العالم العربي بباريس، إلى 23 أغسطس 2026
ينظم معهد العالم العربي معرضاً كبيراً حول جبيل اللبنانية، المدينة الألفية، من 24 مارس إلى 23 أغسطس 2026، مع أنشطة مرافقة وورشات وزيارات موضوعاتية.

ثقافياً، لا يقدم هذا المعرض لبنان كبلد أزمة فقط، بل كذاكرة متوسطية كبرى. إنه يعيد جبيل إلى مكانتها كمدينة كتابة وبحر وتجارة وحضارة، في زمن يحتاج فيه العالم العربي إلى استعادة عمقه التاريخي.

6. عرض سينمائي: “L’Entente - La Face cachée d’Alexandrie” — معهد العالم العربي، 30 أبريل 2026
يتضمن برنامج معهد العالم العربي عرضاً أولياً لفيلم “L’Entente - La Face cachée d’Alexandrie” للمخرج محمد رشاد يوم 30 أبريل 2026.

أهمية هذا الموعد أنه يعيد السينما العربية إلى سؤال المدينة، وخاصة الإسكندرية بما تحمله من طبقات الذاكرة والبحر والتعدد الثقافي. الفيلم يبدو من عنوانه كأنه يحفر في الوجه المخفي للمدينة، لا في صورتها السياحية الجاهزة.

7. معرض “Sutures” لساندرا غصن — معهد العالم العربي، إلى 31 مايو 2026
يحتضن معهد العالم العربي معرض “Sutures” للفنانة ساندرا غصن، وهو معرض للأحبار والفحم يمتد من 18 أبريل إلى 31 مايو 2026.

العنوان وحده يشي بعالم جمالي يقوم على الجرح والترميم. هنا يصبح الرسم نوعاً من الخياطة الرمزية للذاكرة، وكأن الفنانة تحاول أن تمنح للبياض والفحم لغة قادرة على قول ما تعجز عنه العبارة المباشرة.

ثالثاً: أوروبا

8. قمة المهرجانات الفنية الأوروبية — بودفا، 16 إلى 19 مايو 2026
تنظم رابطة المهرجانات الأوروبية Arts Festivals Summit 2026 في بودفا من 16 إلى 19 مايو، بوصفه لقاءً يجمع مديري المهرجانات وصناع السياسات الثقافية والشركاء المهنيين.

هذه القمة مهمة لأنها تكشف أن الثقافة في أوروبا لم تعد مجرد برمجة فنية، بل أصبحت موضوع سياسة عمومية وتمويل وحوكمة. إنها لحظة تفكير جماعي في مستقبل المهرجانات وسط التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

9. مهرجان ربيع براغ الموسيقي — أوروبا، 25 أبريل إلى 28 مايو 2026
تدرج منصة Visit Europe مهرجان ربيع براغ الدولي ضمن أبرز الأحداث الثقافية الأوروبية، ممتداً من 25 أبريل إلى 28 مايو 2026، وهو مهرجان عريق للموسيقى الكلاسيكية.

هذا الحدث يؤكد أن الموسيقى الكلاسيكية ما تزال قادرة على مقاومة الاستهلاك السريع للفنون. ففي زمن المنصات الرقمية، يحتفظ ربيع براغ بقيمة الإصغاء العميق، حيث تتحول القاعة الموسيقية إلى فضاء للإنصات الحضاري.

10. معرض “Art & Fashion” — متحف كالوست غولبنكيان، لشبونة، إلى 21 يونيو 2026
يستضيف متحف كالوست غولبنكيان في لشبونة معرض “Art & Fashion”، الذي يربط بين الفن التشكيلي والموضة، ويمتد إلى 21 يونيو 2026.

تحليلياً، يعكس هذا المعرض تحوّل الموضة من مجال استهلاكي إلى خطاب بصري وفني. لم تعد الأزياء مجرد لباس، بل أصبحت وثيقة ثقافية تقرأ الجسد، والذوق، والطبقة، وتاريخ الجمال في المجتمعات الحديثة.


الثقافة العالمية بين جمالية الاحتجاج وقلق المؤسسات في زمن التحولات الكبرى

 


في عالمٍ يتسارع فيه إيقاع السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، لم تعد الثقافة والفنون مجرد فضاء للزينة الرمزية أو الترف الجمالي، بل تحولت إلى مرآة عميقة تعكس توترات العصر، وإلى أداة ناعمة تُعيد تشكيل المعنى في قلب الصراعات العالمية. خلال الأسبوع الماضي،

الأحد، أبريل 26، 2026

معهد العالم العربي يفتح نوافذ جديدة على تحولات الإبداع المعاصر: إعداد عبده حقي

 


في الأسبوع الثقافي الأخير داخل معهد العالم العربي بباريس، بدا البرنامج وكأنه لوحة فسيفسائية تتقاطع فيها الموسيقى والسينما والأدب، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الثقافة العربية والفضاء الأوروبي. لم تكن الأنشطة مجرد عروض فنية، بل مساحات للتفكير والنقاش، حيث يتحول الفن إلى أداة لفهم التاريخ والهوية والتحولات المعاصرة.

مهرجانات وأفلام ترسم ملامح زمن سينمائي مختلف: إعداد عبده حقي

 


العرضِ في المغرب إلى منصّاتِ البثِّ في أمريكا، مروراً بفضاءاتِ المهرجاناتِ العربية والإفريقية والأوروبية. هنا، لا تبدو السينما مجرّد فنٍّ للفرجة، بل مرآةً لأسئلةٍ كبرى تتعلّقُ بالهوية، وبمستقبلِ السرد، وبحدودِ العلاقةِ بين الإنسان والتكنولوجيا. في هذه الحصيلة، نحاولُ التقاطَ نبضِ أسبوعٍ كاملٍ من الأخبار السينمائية، قراءةً وتحليلاً، بحثاً عن المعنى العميق الذي يتخفّى خلف الأضواء.

توقيع: عبده حقي

أسبوع ثقافي يعيد رسم ملامح الذائقة بين الكتاب والرقمية: إعداد عبده حقي

 


في الأسبوع الثقافي الذي انقضى، بدا المشهد الفني والثقافي في المغرب والعالم العربي وكأنه يستعيد أنفاسه داخل تحولات عميقة تمزج بين الاحتفاء بالكتاب، والانفتاح على الفنون الرقمية، والقلق المتزايد من تأثيرات التكنولوجيا على الإبداع. وقد تميزت هذه الحصيلة بتعدد الأحداث وتنوعها، مما يعكس حيوية الحقل الثقافي وقدرته على التجدد رغم الإكراهات.

1 ـ إطلاق فعاليات الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026


شكّل هذا الحدث أبرز عنوان ثقافي خلال الأسبوع، حيث دشن المغرب رسمياً احتفالات اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، وسط حضور رسمي وثقافي واسع. ويأتي هذا التتويج من منظمة اليونسكو اعترافاً بمكانة المدينة كمركز معرفي وتاريخي، وبرغبة في جعل الثقافة رافعة للتنمية.

يمتد البرنامج على مدار سنة كاملة، ويضم أكثر من 342 نشاطاً تشمل معارض، ورشات، إقامات أدبية، ومكتبات متنقلة، في محاولة لتحويل المدينة إلى “مكتبة مفتوحة” تخرج الكتاب من رفوف المؤسسات إلى الفضاء العمومي.

تحليلياً، لا يمكن النظر إلى هذا الحدث كاحتفال رمزي فقط، بل كتحول في تصور الدولة للثقافة: من منتج نخبوي إلى ممارسة يومية. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في استدامة هذه الدينامية بعد انتهاء السنة الاحتفالية، وتحويلها إلى سياسة عمومية دائمة، لا إلى لحظة احتفالية عابرة. كما يطرح سؤال العدالة الثقافية: هل ستصل هذه الأنشطة فعلاً إلى الهوامش، أم ستظل مركزة في المدن الكبرى؟

2 ـ الاحتفال باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف


تزامن إطلاق برنامج الرباط مع الاحتفال العالمي بالكتاب في 23 أبريل، وهي مناسبة رمزية تؤكد دور القراءة في بناء الوعي الإنساني وحفظ الذاكرة الحضارية.

وقد أعادت هذه المناسبة طرح سؤال الكتاب في العصر الرقمي، حيث لم يعد مجرد وعاء معرفي، بل أصبح رمزاً للصراع بين القراءة التقليدية والوسائط الجديدة. فالاحتفاء بالكتاب اليوم لم يعد احتفاءً بالمطبوع فقط، بل بفكرة المعرفة في حد ذاتها.

من زاوية تحليلية، يبدو أن هذا الاحتفال يحمل مفارقة عميقة: فبينما يتم تكريم الكتاب عالمياً، تتراجع معدلات القراءة في كثير من المجتمعات. وهذا يفرض إعادة التفكير في علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب، وفي ضرورة ابتكار صيغ جديدة للقراءة تتناسب مع العصر الرقمي دون أن تفقد عمقها.

3 ـ تجربة فنية رقمية مستوحاة من الثقافة اليابانية في الدار البيضاء

في دار الفنون بالدار البيضاء، تم تنظيم تجربة ثقافية غامرة نقلت الجمهور إلى عالم القصص المصورة اليابانية (المانغا)، من خلال ورشات تفاعلية تجمع بين الرسم والسرد البصري.

هذا الحدث يعكس تحولاً لافتاً في الذائقة الفنية المغربية، حيث لم تعد الثقافة محصورة في القوالب الكلاسيكية، بل أصبحت مفتوحة على التأثيرات العالمية، خاصة الثقافة اليابانية التي تجذب الشباب.

تحليلياً، يكشف هذا النشاط عن صعود “الثقافة العابرة للحدود”، حيث لم يعد الانتماء الثقافي مرتبطاً بالجغرافيا، بل بالاهتمامات المشتركة. لكنه يطرح أيضاً سؤال الهوية: كيف يمكن التوفيق بين الانفتاح على ثقافات أخرى والحفاظ على الخصوصية المحلية؟ وهل نحن أمام تلاقح ثقافي أم ذوبان تدريجي في ثقافة كونية موحدة؟

4 ـ الجدل الثقافي حول الذكاء الاصطناعي والإبداع الأدبي

من أبرز النقاشات الثقافية خلال الأسبوع، الجدل المتصاعد حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الأدب، حيث بدأت تظهر مخاوف حقيقية من “تشييء الكتابة” وتحويلها إلى عملية آلية.

ويتحدث نقاد وروائيون عن خطر “النصوص البلاستيكية” التي تفتقد الروح، مقابل نصوص بشرية تنبع من التجربة والوجدان، ما يعيد طرح سؤال جوهري: ما الذي يجعل النص أدبياً؟

تحليلياً، لا يمكن اختزال هذا الجدل في صراع بين الإنسان والآلة، بل هو صراع بين مفهومين للإبداع: الأول يرى فيه تجربة إنسانية عميقة، والثاني يعتبره عملية قابلة للمحاكاة. وفي هذا السياق، قد لا يكون الذكاء الاصطناعي تهديداً بقدر ما هو اختبار لقدرة الأدب على إعادة تعريف نفسه.

خلاصة عامة

تكشف حصيلة هذا الأسبوع الثقافي عن ثلاث تحولات كبرى:
أولها انتقال الثقافة من الفضاءات المغلقة إلى الفضاء العمومي كما في تجربة الرباط.
ثانيها انفتاح الذائقة الفنية على ثقافات عالمية جديدة مثل الثقافة اليابانية.
وثالثها دخول الثقافة في مواجهة مباشرة مع التكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعي.

وبين هذه التحولات، يظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام نهضة ثقافية جديدة، أم مجرد إعادة ترتيب لأدوات التعبير داخل عالم يتغير بسرعة؟
الإجابة، على الأرجح، ليست في الأحداث نفسها، بل في ما ستتركه من أثر طويل في وعي المجتمع.


السبت، أبريل 25، 2026

لوقت يتكئ على نخلة مائلة: عبده حقي


 يا أيُّها الجالسُ على حافَّةِ الضَّوء،

هل تَسمعُ صَريرَ الوقتِ
وهو يُطوى في جيبِ الرِّيح؟
أم تَرى في ارتعاشةِ النَّخلةِ
كائناً طويلاً
يَسيرُ على عُكّازِ الوهم؟

اقتصادٌ مُحاصَر وبنوكٌ مُكمَّمة في زمن خنق الحريّات: عبده حقي

 


في الرابع عشر من أبريل الماضي، أصدرت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات في الجزائر بيانًا أحدث صدمة عميقة داخل الأوساط الاقتصادية، وخاصة لدى الفاعلين في القطاع البنكي. ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن وقع البيان عادياً، بل بدا كأنه إعلان ارتباك رسمي يكشف عن خلل بنيوي خطير في طريقة إدارة الاقتصاد الجزائري.

فاللافت في هذا القرار ليس فقط مضمونه، بل الجهة التي أصدرته. ففي جميع دول العالم، يُعدّ القطاع البنكي من اختصاص وزارة المالية، غير أن ما حدث في الجزائر يكشف عن فوضى مؤسساتية صارخة، حيث تتدخل وزارة التجارة الخارجية في صلاحيات لا تمتّ إليها بصلة. هذا الانزلاق الإداري ليس مجرد خطأ تقني، بل مؤشر على أزمة عميقة في منظومة الحكم الاقتصادي.

لقد أعلن البيان، دون تقديم أي تفاصيل أو أسماء، أن عدداً من البنوك التجارية فقدت اعتمادها لمزاولة عمليات التجارة الخارجية. وهو قرار خطير، لأن معناه ببساطة أن هذه البنوك لم تعد قادرة على تمويل عمليات الاستيراد والتصدير، أي أنها شُلّت في أهم وظائفها الحيوية. الأسوأ من ذلك أن الشركات الجزائرية وجدت نفسها فجأة أمام واقع عبثي: بنوكها لم تعد مؤهلة للتعامل الخارجي، وفي الوقت نفسه، لا يُسمح لها بتغيير البنك!

إننا أمام وضع غير مسبوق في تاريخ الاقتصاد الحديث. فالبنك، الذي يُفترض أن يكون وسيطًا مالياً يخدم الاقتصاد، تحوّل في الجزائر إلى أداة مقيدة بقرارات سياسية غامضة. أما الشركات، فقد أصبحت رهينة مزاج إداري لا يخضع لأي منطق اقتصادي سليم.

ولم يقف العبث عند هذا الحد، بل جاء في البيان أن تغيير البنك أو حتى تغيير الوكالة داخل نفس البنك يتطلب ترخيصاً من وزارة التجارة الخارجية. أي أن الدولة لا تكتفي بمراقبة النشاط الاقتصادي، بل تتدخل حتى في أدق التفاصيل البنكية الخاصة بالمؤسسات. هذا تدخل فجّ في حرية الاستثمار، ويشكل انتهاكاً صريحاً لأبسط قواعد الاقتصاد الحديث.

والأكثر إثارة للدهشة أن السلطات لم تقدم أي قائمة رسمية للبنوك المعنية بسحب الاعتماد، ما جعل الفاعلين الاقتصاديين يعيشون حالة من الضبابية والقلق. كيف يمكن لشركة أن تخطط لنشاطها في ظل غياب المعلومة؟ وكيف يمكن للمستثمر أن يثق في بيئة لا تحترم الحد الأدنى من الشفافية؟

إن هذا الغموض ليس بريئاً، بل يعكس نمطاً من الحكم قائمًا على التعتيم وتغييب المحاسبة. فبدلاً من أن تخرج بنك الجزائر أو وزارة المالية لتوضيح الأسباب، تُترك الساحة لبيانات مبتورة تثير أكثر مما تفسر.

تدّعي السلطات أن هذه الإجراءات تأتي في إطار ضبط الواردات وحماية احتياطات العملة الصعبة، لكن الحقيقة أن هذا التبرير يخفي فشلاً أعمق. فالأزمة الحقيقية تكمن في تراجع عائدات النفط والغاز، ما أدى إلى تقلص احتياطي النقد الأجنبي. وبدلاً من البحث عن حلول هيكلية، اختارت السلطة أسهل الطرق: خنق الاقتصاد الداخلي.

لقد تحولت الجزائر، وفق هذا النهج، إلى اقتصاد موجَّه بشكل مفرط، حيث تتحكم الدولة في كل شيء: من الاستيراد إلى التمويل، ومن اختيار البنك إلى تحديد الشركاء. هذا النموذج لا ينتج سوى الركود، لأنه يقضي على روح المبادرة ويخيف المستثمرين.

ومن المفارقات المؤلمة أن الدولة، وهي تدّعي حماية الاقتصاد، تقوم في الواقع بتدمير أدواته الأساسية. فالبنوك الأجنبية العاملة في الجزائر، التي كان يُفترض أن تجلب الخبرة والسيولة، أصبحت اليوم مهددة وغير قادرة على أداء دورها. أما المستثمر الأجنبي، فكيف يمكن أن يغامر بأمواله في بيئة قد تُسحب فيها التراخيص فجأة دون تفسير؟

إن ما يحدث ليس مجرد سوء تدبير، بل سياسة ممنهجة تُقوّض الثقة في الاقتصاد الوطني. فالثقة هي أساس أي نظام اقتصادي، وعندما تنهار، ينهار معها كل شيء: الاستثمار، الإنتاج، وحتى الاستقرار الاجتماعي.

ولعل أخطر ما في الأمر هو أن هذه القرارات تُتخذ دون نقاش عام أو رقابة برلمانية حقيقية. أين هي النخب الاقتصادية؟ أين هو الإعلام؟ كيف يُترك مصير آلاف الشركات والعمال رهينة قرارات فوقية لا تخضع لأي مساءلة؟

إن السلطات الجزائرية، بدل أن تواجه التحديات بشجاعة وإصلاحات حقيقية، اختارت طريق الانغلاق والتشدد، وهو طريق أثبت فشله في كل التجارب التاريخية. فاقتصاد لا يثق في نفسه، ولا يثق في مواطنيه، ولا يفتح أبوابه للعالم، هو اقتصاد محكوم عليه بالتراجع.

في النهاية، يمكن القول إن ما جرى منذ 14 أبريل ليس مجرد حادثة عابرة، بل لحظة كاشفة عن طبيعة نظام اقتصادي يعاني من أزمة عميقة في الرؤية والإدارة. وإذا استمرت هذه السياسات، فإن الثمن لن تدفعه البنوك فقط، بل سيدفعه الشعب الجزائري بأكمله، في شكل بطالة وتضخم وتراجع في مستوى المعيشة.

إن النقد هنا ليس من باب التشفي، بل من باب التحذير. فالأمم لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً تحت وطأة قرارات خاطئة. وما يحدث اليوم في الجزائر هو أحد تلك المؤشرات التي تستدعي وقفة تأمل جادة قبل فوات الأوان.


الجزائر الغارقة في وهم الوصاية على القضايا العادلة : عبده حقي


برزت واقعةُ مشاركة محاميةٍ جزائريةٍ في أنشطةٍ مرتبطة بجبهة البوليساريو بوصفها لحظةً كاشفةً عن تعقيدات الخطاب الرسمي الجزائري، وتناقضاته الداخلية، وحدود تماسكه أمام أسئلة الشرعية والسيادة. فهذه الحكاية، التي تبدو في ظاهرها مجرد مشاركةٍ مدنيةٍ

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع رواية "نقد الفكر الديني " ملف من إعداد عبده حقي


يُعَدُّ كتابُ نقد الفكر الديني للفيلسوف السوري صادق جلال العظم واحدًا من أكثر النصوص الفكرية إثارةً للجدل في الثقافة العربية المعاصرة، ليس فقط لما تضمَّنه من أطروحاتٍ جريئة، بل لما كشف عنه من أزمةٍ عميقةٍ في بنية العقل العربي وهو يواجه أسئلة الحداثة والعلم والمعرفة.

رقصةُ الاحتمالاتِ في جسدِ الحلم: عبده حقي

 


لم تكن ترقص… بل كانت تَحدُث.

كلما رفعت يدها، انقسمت إلى احتمالاتٍ لا تُحصى، وكل احتمالٍ كان حياةً لم تعشها. المدينة من حولها كانت تتذكر نفسها بصعوبة، تتشقق ثم تعود، كأنها تخجل من ثباتها.

أُحَلِّقُ بِلا أَجْنِحَةٍ مستعارة : قصيدة تفاعلية عبده حقي

 



أُحَلِّقُ بِلا أَجْنِحَةٍ

نَصٌّ شِعْرِيٌّ تَفَاعُلِيٌّ بَيْنَ الحُلْمِ، وَالسَّمَاءِ، وَالكِتَابَةِ، وَالبَحْثِ عَنِ الذَّاتِ


خَرِيطَةُ القِرَاءَةِ التَّفَاعُلِيَّةِ:
السَّمَاءُ | الأَرْضُ | الكِتَابَةُ | الذَّاتُ | الخَاتِمَةُ

السَّمَاءُ: بَدَايَةُ التَّحْلِيقِ

أُحَلِّقُ…
لا لِأَنَّ السَّماءَ تُنادِينِي،
بَلْ لِأَنَّ الأَرْضَ ضاقَتْ بِأَسْئِلَتِي.

إِشَارَةٌ تَفَاعُلِيَّةٌ: السَّمَاءُ هُنَا لَيْسَتْ مَكَانًا فَقَطْ، بَلْ رَغْبَةٌ فِي التَّحَرُّرِ. اِنْتَقِلْ إِلَى الأَرْضِ لِتَعْرِفَ سَبَبَ التَّحْلِيقِ.

الأَرْضُ: ثِقْلُ الأَسْئِلَةِ

أُحَلِّقُ…
وَفِي قَدَمَيَّ ثِقْلُ الطُّرُقاتِ القَديمَةِ،
وَفِي صَدْرِي خَريطَةُ التِّيهِ
وَبَيْتٌ بِلا نَوافِذَ.

مَنْ قالَ إِنَّ الجَناحَيْنِ شَرْطُ السَّفَرِ؟
أَنَا أُسافِرُ
بِنَبْضٍ يَرْفُضُ الإِقامَةَ،
وَبِقَلْبٍ يَكْتُبُ اسْمَهُ
عَلَى الهَواءِ… ثُمَّ يَمْحُو.

رَابِطُ المَعْنَى: الأَرْضُ لَيْسَتْ ضِدَّ السَّمَاءِ، بَلْ هِيَ الذَّاكِرَةُ الَّتِي تَدْفَعُنَا إِلَى الِارْتِفَاعِ. اِنْتَقِلْ إِلَى الكِتَابَةِ.

الكِتَابَةُ: جَنَاحٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ

أُحَلِّقُ بِلا أَجْنِحَةٍ،
كَفِكْرَةٍ هارِبَةٍ مِنْ كِتابٍ مُغْلَقٍ،
كَطِفْلٍ يُطارِدُ ظِلَّهُ
وَلا يُدْرِكُ أَنَّهُ الظِّلُّ وَالضَّوْءُ مَعًا.

أُحَلِّقُ…
فَوْقَ المُدُنِ الَّتِي نَسِيَتْنِي،
وَفَوْقَ الوُجُوهِ الَّتِي تُشْبِهُنِي
وَلا تَعْتَرِفُ بِي.

نَافِذَةٌ تَأْمُلِيَّةٌ: الكِتَابَةُ فِي هَذَا النَّصِّ لَا تَصِفُ الطَّيَرَانَ، بَلْ تُنْجِزُهُ. اِقْرَأْ مَرْحَلَةَ الذَّاتِ.

الذَّاتُ: المَسَافَةُ بَيْنِي وَبَيْنِي

أَيُّهَا الفَراغُ…
كُنْ صَدِيقِي قَلِيلًا،
عَلِّمْنِي أَنْ أَكُونَ خَفِيفًا
كَحُلْمٍ لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ.

أَنَا لا أَمْلِكُ جَناحَيْنِ،
لٰكِنِّي أَمْلِكُ ارْتِباكِي،
وَهٰذَا يَكْفِي
لِأَعْبُرَ المَسافَةَ بَيْنِي وَبَيْنِي.

أَنَا لا أَمْلِكُ سَماءً،
لٰكِنِّي أَمْلِكُ دَهْشَتِي،
وَكُلُّ دَهْشَةٍ
سَماءٌ مُؤَقَّتَةٌ.

خِيَارُ القَارِئِ:
إِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّ التَّحْلِيقَ هُوَ الحُلْمُ، عُدْ إِلَى السَّمَاءِ.
وَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ مُصَالَحَةٌ مَعَ الذَّاتِ، اِنْتَقِلْ إِلَى الخَاتِمَةِ.

الخَاتِمَةُ: لٰكِنِّي أَصِلُ

أُحَلِّقُ بِلا أَجْنِحَةٍ،
وَأَهْبِطُ بِلا خَسارَةٍ،
فَما فَقَدْتُ شَيْئًا
كَيْ أَنْدَمَ.

أُحَلِّقُ…
كَأَنِّي أَكْتُبُ آخِرَ سَطْرٍ فِي الغِيابِ،
ثُمَّ أَعُودُ
لِأَبْدَأَ أَوَّلَ مَعْنًى.

هٰكَذَا أَنَا…
بَيْنَ سُقُوطٍ لا يَحْدُثُ
وَصُعُودٍ لا يُرى،

أُحَلِّقُ
بِلا أَجْنِحَةٍ،
لٰكِنِّي أَصِلُ.


إعداد وتقديم: عبده حقي

أُحَلِّقُ بِلا أَجْنِحَةٍ مستعارة : عبده حقي

 


عَلى خُطى النسور،

لٰكِنِّي أَسْتَعيرُ صَوْتِي مِنْ صَمْتِي،
وَأَبْنِي جَناحَيَّ مِنْ حَنينٍ لا يُرى...

الجمعة، أبريل 24، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع رواية "برهان العسل " ملف من إعداد عبده حقي

 


يُعَدُّ نَصُّ برهان العسل لِلْكَاتِبَةِ سلوى النعيمي مِنَ الأَعْمَالِ الرِّوَائِيَّةِ الَّتِي أَثَارَتْ جَدَلًا وَاسِعًا فِي الفَضَاءِ الثَّقَافِيِّ العَرَبِيِّ، لَا لِأَنَّهَا تَخُوضُ فِي مَوْضُوعٍ مَحْظُورٍ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهَا تُعِيدُ تَشْكِيلَ العَلَاقَةِ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالجَسَدِ وَالتُّرَاثِ بِطَرِيقَةٍ تَخْتَبِرُ حُدُودَ الكِتَابَةِ نَفْسِهَا.

اختبار جديد للتعايش الديني في المغرب: عبده حقي


أثارت صلاة جماعية ليهود في أحد شوارع مراكش موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي. الحدث، الذي لم يتجاوز دقائق قليلة، تحول بسرعة إلى مادة للنقاش والجدل، كاشفاً عن توترات كامنة في نظرة المجتمع إلى قضايا الدين والفضاء العام والتعايش.

كامل داوود بين قمع السلطة وحرية الكتابة: عبده حقي

 


في لحظة تبدو للوهلة الأولى قضائية خالصة، لكنها في العمق سياسية وثقافية بامتياز، جاء الحكم الصادر في حق الكاتب الجزائري كامل داوود بالسجن ليعيد طرح سؤال قديم متجدد: ما حدود حرية الكاتب في الأنظمة التي لم تحسم بعد علاقتها مع الكلمة الحرة؟

رولان بارت ومختبر المعنى في تفاصيل العيش العادي: ترجمة عبده حقي


 في كتاب ميثولوجيات «Mythologies»، يقترح رولان بارت على قارئه مغامرة فكرية لا تشبه أي قراءة تقليدية، إذ لا يتعلق الأمر بنص يُقرأ بقدر ما هو عدسة تُركَّب على العين لتغيير زاوية النظر إلى العالم. فبارت لا يكتب عن أشياء استثنائية أو أحداث كبرى، بل

موجة كتب إلكترونية تعيد تشكيل ذائقة القارئ المعاصر: إعداد عبده حقي


في زمنٍ لم تعد فيه رفوف المكتبات الورقية وحدها حارسة للمعرفة، تتقدّم الكتب الإلكترونية (Ebook – كتاب إلكتروني) بخطى هادئة ولكن واثقة، كأنها تُعيد تشكيل علاقة القارئ بالنص. خلال الأسبوع الماضي، كشفت منصات النشر العالمية عن دفعة جديدة من

عناوين حديثة تعيد ترتيب الذاكرة الثقافية على حافة التحول: إعداد عبده حقي

 


في هذا الأفق الثقافي الذي تتكاثر فيه العناوين كما تتكاثر الأسئلة، لا يبدو تتبّع الإصدارات الجديدة مجرد رصدٍ ببليوغرافيّ بارد، بل يتحوّل إلى فعل تأويلي يقرأ ما بين السطور، ويستشعر التحولات العميقة في الوعي العربي. خلال الأسبوع الماضي،

الخميس، أبريل 23، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع رواية "آيات شيطانية " ملف من إعداد عبده حقي


فِي المَسافَةِ المُلتَبِسَةِ بَيْنَ الإِبْداعِ وَالِاقْتِحامِ، بَيْنَ حُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ وَحُدودِ الِاحْتِرامِ، تَقِفُ رِوايَةُ آياتِ شَيْطانِيَّةٍ لِلرِّوائِيِّ سلمان رشدي بَوْصْفِها واحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ النُّصوصِ الأَدَبِيَّةِ إِثارَةً لِلجَدَلِ فِي التَّارِيخِ المُعاصِرِ. لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ رِوائِيٍّ كُتِبَ فِي أَواخِرِ القَرْنِ العِشْرِينَ، بَلْ هِيَ لَحْظَةُ انْفِجارٍ رَمْزِيٍّ أَعادَتْ طَرْحَ أَسْئِلَةٍ قَدِيمَةٍ بِصِيغَةٍ جَدِيدَةٍ:

حيرة الصدق فِي زَمَنِ النُّصُوصِ المُوَلَّدَةِ: عبده حقي


لَمْ تَعُدِ الكَلِمَةُ تُولَدُ فِي صَمْتِ المَخْطُوطَاتِ، وَلَا تَنْبُتُ فِي تُرْبَةِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الخَالِصَةِ، فقد أَصْبَحَتْ تُنْتَجُ بِسُرْعَةِ الضَّوْءِ عَلَى أَطْرَافِ خَوَارِزْمِيَّاتٍ لَا تَنَامُ ولا تخلد للراحة ، يَتَصَاعَدُ سُؤَالٌ مُرْبِكٌ كَالضَّوْءِ فِي بطن لَيْلٍ طَوِيلٍ: مَنْ يَحْرُسُ الحَقِيقَةَ؟ وَمَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ صَوْتِ الإِنْسَانِ وَصَدَى الآلَةِ؟

الترحيل القسري وجه آخر لخلل النظام العالمي: إعداد عبده حقي

 


في زمنٍ يتكاثر فيه العابرون فوق خرائط القلق، لم تعد الهجرة مجرد انتقال جغرافي من ضفة إلى أخرى، بل تحوّلت إلى نصّ إنساني مفتوح على جراح العالم، نصّ تكتبه السياسات كما تكتبه الحروب والكوارث والتفاوتات الاقتصادية. وإذا كانت International Organization for Migration (المنظمة الدولية للهجرة)